الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
64
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وحكى الأزهري عن جماعة من العلماء ، أي معنى لا أبالي : لا أكره ا ه . وأحسبهم أرادوا تفسير حاصل المعنى ولم يضبطوا تفسير معنى الكلمة . ويطلق البال على الحال والقدر . وفي الحديث « كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد اللّه فهو أبتر » . قال الوزير البطليوسي في شرح ديوان امرئ القيس : قال أبو سعيد : كنت أقول للمعري : كيف أصبحت ؟ فيقول : بخير أصلح اللّه بالك . ولم يوفه صاحب الأساس حقه من البيان وأدمجه في مادة ( بلو ) . وإصلاح البال يجمع إصلاح الأمور كلها لأن تصرفات الإنسان تأتي على حسب رأيه ، فالتوحيد أصل صلاح بال المؤمن ، ومنه تنبعث القوى المقاومة للأخطاء والأوهام التي تلبس بها أهل الشرك ، وحكاها عنهم القرآن في مواضع كثيرة والمعنى : أقام أنظارهم وعقولهم فلا يفكرون إلا صالحا ولا يتدبرون إلا ناجحا . [ 3 ] [ سورة محمد ( 47 ) : آية 3 ] ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ ( 3 ) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ هذا تبيين للسبب الأصيل في إضلال أعمال الكافرين وإصلاح بال المؤمنين . والإتيان باسم الإشارة لتمييز المشار إليه أكمل تمييز تنويها به . وقد ذكرت هذه الإشارة أربع مرات في هذه الآيات المتتابعة للغرض الذي ذكرناه . والإشارة إلى ما تقدم من الخبرين المتقدمين ، وهما أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [ محمد : 1 ] و كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ [ محمد : 2 ] ، مع اعتبار علتي الخبرين المستفادتين من اسمي الموصول والصلتين وما عطف على كلتيهما . واسم الإشارة مبتدأ ، وقوله : بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ إلخ خبره ، والباء للسببيّة ومجرورها في موضع الخبر عن اسم الإشارة ، أي ذلك كائن بسبب اتباع الكافرين الباطل واتباع المؤمنين الحق ، ولما كان ذلك جامعا للخبرين المتقدمين كان الخبر عنه متعلقا بالخبرين وسببا لهما . وفي هذا محسن الجمع بعد التفريق ويسمونه كعكسه التفسير لأن في الجمع تفسيرا للمعنى الذي تشترك فيه الأشياء المتفرقة تقدم أو تأخّر . وشاهده قول حسان من أسلوب هذه الآية : قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم * أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا